سيد محمد طنطاوي
195
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الناس - ، ومع ذلك فالمشاهد الغالب بينهم ، أن الأغنياء لا يردون أموالهم على خدمهم وعبيدهم بحيث يتساوون معهم في الرزق ، وإذا ردوا عليهم شيئا ، فإنما هو شيء قليل يسير يدل على بخلهم وحرصهم . . مع أنى أنا الرازق للجميع . وإلى هذا المعنى أشار ابن كثير بقوله عند تفسيره للآية : « يبين - تعالى - للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه للَّه من شركاء وهم يعترفون بأنهم عبيد له ، كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، فقال - تعالى - منكرا عليهم : أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم ، فكيف يرضى هو تعالى - بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم ، كما قال - تعالى - في آية أخرى ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ، هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيه سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ . . . « 1 » . وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية يقول : لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم ، فكيف يشركون معي عبيدي في سلطاني . . « 2 » « . وهذا المعنى الثاني هو الأقرب إلى سياق آيات السورة الكريمة ، لأن السورة الكريمة مكية ، ومن أهدافها الأساسية دعوة الناس إلى إخلاص العبادة للَّه - عز وجل - ، ونبذ الإشراك والمشركين ، وإقامة الأدلة المتنوعة على بطلان كل عبادة لغير اللَّه - تعالى - . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( أَفَبِنِعْمَةِ اللَّه يَجْحَدُونَ ) * . والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع ، والفاء معطوفة على مقدر أي : أيشركون به - سبحانه - فيجحدون نعمه ، وينكرونها ، ويغمطونها حقها ، مع أنه - تعالى - هو الذي وهبهم هذه النعم ، وهو الذي منحهم ما منحهم من أرزاق ؟ ! ! . ثم ذكرت السورة الكريمة بعد ذلك نعمة أخرى من نعم اللَّه - تعالى - على الناس ، فقال - تعالى - : * ( واللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) * . أي : واللَّه - تعالى - هو وحده الذي جعل لكم * ( مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) * أي : من جنسكم ونوعكم * ( أَزْواجاً ) * لتسكنوا إليها ، وتستأنسوا بها ، فإن الجنس إلى الجنس آنس وأسكن . قال - تعالى - : ومِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ، لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ، وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً . . . « 3 » .
--> ( 1 ) سورة الروم الآية 28 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 577 . ( 3 ) سورة الروم الآية 21 .